الراغب الأصفهاني

30

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

فقال ابن عباس : لئن شكت في زمانها فقد شكت قوم عاد في زمانهم إذ قد وجدوا في خزائنهم سهما مكتوبا عليه : بلاد بها كنّا ونحن نحبّها * إذ الناس ناس والبلاد بلاد قال أبو الدرداء : كان الناس ورقا لا شوك فيه ، فقد صاروا شوكا لا ورق فيه إن نافرتهم نفروك ، وإن تركتهم ما تركوك . وقال عدي بن حاتم لمعاوية : معروفك الذي نعده اليوم منكرا معروف لم يأت . وعن أبي صالح في قول اللّه تعالى : وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى « 1 » أي بسراة الناس . قال شاعر : ذهب الرجال المقتدى بفعالهم * والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم * بعضا ليدفع معور عن معور قال بعضهم : كأنّ اللّه تعالى ما عنى بقوله - : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ « 2 » في البخل والجهل - إلا أهل زماننا فإنهم ما تفاوتوا في البخل والجهل . ذمّ النّاس لما قدم محمد بن عبد اللّه بن طاهر مدينة السلام كتب إلى أخيه وهو بخراسان يشكو إليه قلّة الأنيس وتأذّيه بمضرة الجليس ، فكتب إليه : طب عن الأمة نفسا * وارض بالوحدة أنسا لست بالواجد خلا * أو تردّ اليوم أمسا ما رأينا أحدا سا * وى على الخبرة فلسا وقيل : خير الناس من لم تجرّبه . اخبر الناس تقليهم « 3 » . قال المتنبّي : وصرت أشكّ فيمن أصطفيه * لعلمي أنه بعض الأنام وقال الآخر : ليس في الدنيا وفاء * لا ولا في النّاس خير قد بلوت الناس فالنا * س كسير وعوير وقال الآخر : بلوناهم واحدا واحدا * فكلّهم ذلك الواحد

--> ( 1 ) القرآن الكريم : طه / 63 . ( 2 ) القرآن الكريم : الملك / 3 . ( 3 ) أي تبغضهم من قلى يقلي قلىّ ( الرجل ) : أبغضه فهو قال وذاك على الشرّ . وهذا شبيه بقول الفيلسوف هوبز : الإنسان ذئب للإنسان .